الجاحظ

282

الحيوان

قال : فالحيّة تعرف هذا من الخنزير ، فهي تطالبه . قال : والغراب مصادق للثّعلب ، والثعلب مصادق للحيّة ، والأسد والنمر مختلفان . قال : وبين الفيلة اختلاف شديد ، وكذلك ذكورها وإناثها ، وهي تستعمل الأنياب إذا قاتل بعضها بعضا ، وتعتمد بها على الحيطان فتهدمها ، وتزحم النّخلة بجنبها فتصرعها . وإذا صعب من ذكورتها شيء احتالوا له حتّى يكومه « 1 » ذكر آخر ، فإذا كأمه خضع أبدا . وإذا اشتدّ خلقه وصعب عصبوا رجليه فسكن . ويقال إنّ البعير إذا صعب وخافه القوم ، استعانوا عليه فأبر كوه وعقلوه حتّى يكومه فحل آخر ، فإذا فعل ذلك به ذلّ ! وأمّا أصحابنا فحكوا وجوه العداوة الّتي بين الفيل والسّنّور - وهذا أعجب - وذهبوا إلى فزع الفيل من السّنّور ، ولم يروه يفزع ممّا هو أشدّ وأضخم . وهذا الباب على خلاف الأوّل ، كأنّ أكثر ذلك الباب بني على عداوة الأكفاء . والشاة من الذئب أشدّ فرقا منها من الأسد ، وإن كانت تعلم أنّ الأسد يأكلها . وكذلك الحمام يعتريه من الشّاهين ما لا يعتريه من العقاب والبازي والصقر . وكذلك الفأرة من السّنّور « 2 » ، وقد يأكلها ابن عرس . وأكثر ذلك أن يقتلها ولا يأكلها . وهي من السّنّور أشدّ فرقا . والدّجاجة تأكلها أصناف من السباع ، والثعلب يطالبها مطالبة شديدة ، ولو أنّ دجاجا على رفّ مرتفع ، أو كنّ على أغصان شجرة شاهقة ، ثمّ مرّ تحتها كلّ صنف ممّا يأكلها ، فإنّها تكون مستمسكة بها معتصمة بالأغصان التي هي عليها . فإذا مرّ تحتها ابن آوى وهنّ ألف ، لم تبق واحدة منهنّ إلّا رمت بنفسها إليه . 286 - [ ما يأباه بعض الحيوان من الطعام ] والسبع لا يأكل الحارّ ، والسّنّور لا يذوق الحموضة ، ويجزع من الطّعام الحارّ . واللّه تعالى أعلم .

--> ( 1 ) كأم الفرس أنثاه يكومها : إذا نزا عليها . ( 2 ) ربيع الأبرار 5 / 435 .